أبي السعود
173
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم )
الاستعلاء لما في الشهيد من معنى الرقيب والمهيمن وقيل لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يقبل فيه الشهادة إلا من العدول الأخيار وتقديم الظرف للدلالة على اختصاص شهادته عليه السلام بهم ( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ) جرد الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم رمزا إلى أن مضمون الكلام من الأسرار الحقيقة بأن يخص معرفته به عليه السلام وليس الموصول صفة للقبلة بل هو مفعول ثان للجعل وما قيل من أن الجعل تحويل الشئ من حالة إلى أخرى فالملتبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني كما في قولك جعلت الطين خزفا فينبغي أن يكون المفعول الأول هو الموصول والثاني هو القبلة فكلام صناعي ينساق إليه الذهن بحسب النظر الجليل ولكن التأمل اللائق يهدى إلى العكس فإن المقصود إفادته ليس جعل الجهة قبلة لا غير كما يفيده ما ذكر بل هو جعل القبلة المحققة الوجود هذه الجهة دون غيرها والمراد بالموصول هي الكعبة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلى إليها أولا ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفا لليهود أو هي الصخرة لما روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما من أن قبلته عليه السلام بمكة كانت بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه وعلى هذه الرواية لا يمكن أن يراد بالقبلة الأولى الكعبة وأما الصخرة فيتأتى إرادتها على الروايتين والمعنى على الأول وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها آثر ذي أثير وهي الكعبة وعلى الثاني وما جعلناها التي كنت عليها قبل هذا الوقت وهي الصخرة ( إِلَّا لِنَعْلَمَ ) استثناء مفرغ من أعم العلل أي وما جعلنا ذلك لشئ من الأشياء إلا لنمتحن الناس أي نعاملهم معاملة من يمتحنهم ونعلم حينئذ ( مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ) في التوجه إلى ما أمر به من الدين أو القبلة والالتفات إلى الغيبة مع إيراده عليه السلام بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الاتباع ( مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ) يرتد عن دين الإسلام أو لا يتوجه إلى القبلة الجديدة أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه وما كان لعارض يزول بزواله وعلى الأول ما رددناك إلى ما كنت عليه إلا لنعلم الثابت على الإسلام والناكص على عقبيه لقلقه وضعف إيمانه والمراد بالعلم ما يدور عليه فلك الجزاء من العلم الحالي أي ليتعلق علمنا به موجودا بالفعل وقيل المراد علم الرسول عليه السلام والمؤمنين وإسناده إليه سبحانه لما أنهم خواصه وليتميز الثابت عن المتزلزل كقوله تعالى لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فوضع العلم موضع التمييز الذي هو مسبب عنه ويشهد له قراءة ليعلم على بناء المجهول من صيغة الغيبة والعلم إما بمعنى المعرفة أو متعلق بما في من من معنى الاستفهام أو مفعوله الثاني ممن ينقلب الخ أي لنعلم من يتبع الرسول متميزا ممن ينقلب على عقبيه ( وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً ) أي شاقة ثقيلة وإن هي المخففة من الثقيلة دخلت على ناسخ المبتدأ والخبر واللام هي الفارقة بينها وبين النافية كما في قوله تعالى إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وزعم الكوفيون أنها نافية واللام بمعنى إلا أي ما كانت إلا كبيرة والضمير الذي هو اسم كان راجع إلى ما دل عليه قوله تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها من الجعلة أو التولية أو التحويلة أو الردة أو القبلة وقرئ لكبيرة بالرفع على أن كان مزيدة كما في قوله [ وإخوان لنا كانوا كرام ] وأصله وإن هي لكثيرة كقوله إن زيد لمنطلق ( إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) أي إلى سر الأحكام الشرعية المبنية على الحكم والمصالح إجمالا وتفصيلا وهم المهديون إلى الصراط المستقيم الثابتون على الإيمان واتباع الرسول عليه السلام ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) أي ما صح وما استقام له